الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

425

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الملائكة العظام حيث تجسد لمريم على شكل انسان جميل لا عيب فيه ولا نقص . إن الحالة التي اعترت مريم في تلك اللحظة واضحة جدا ، فمريم التي عاشت دائما نقية الجيب ، وتربت في أحضان الطاهرين ، وكان يضرب بها المثل بين الناس في العفة والتقوى . . . كم داخلها من الرعب والاضطراب عند مشاهدة هذا المنظر ، وهو دخول رجل أجنبي جميل في محل خلوتها ! ولذلك فإنها مباشرة قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا وكانت هذه أول هزة عمت كل وجود مريم . إن ذكر اسم الرحمان ، ووصفه برحمته العامة من جهة ، وترغيب الرجل في التقوى والامتناع عن المعصية من جهة أخرى ، كان من أجل أن يرتدع هذا الشخص المجهول إن كانت له نية سيئة في ارتكاب المعصية ، والأهم من ذلك كله هو الالتجاء إلى الله ، فالله الذي يلتجئ إليه الإنسان في أحلك الظروف ، ولا تقف أية قدرة أمام قدرته ، هو الذي سيحل المعضلات . لقد كانت مريم تنتظر رد فعل ذلك الشخص المجهول بعد أن تفوهت بهذه الكلمات انتظارا مشوبا بالاضطراب والقلق الشديد ، إلا أن هذه الحالة لم تطل ، فقد كلمها ذلك الشخص ، ووضح مهمته ورسالته العظيمة قال إني رسول ربك . لقد كانت هذه الجملة كالماء الذي يلقى على النار ، فقد طمأنت قلب مريم الطاهر ، إلا أن هذا الاطمئنان لم يدم طويلا ، لأنه أضاف مباشرة لأهب لك غلاما زكيا . لقد اهتز كيان ووجود مريم لدى سماع هذا الكلام ، وغاصت مرة أخرى في قلق شديد قالت أني يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا . لقد كانت تفكر في تلك الحالة في الأسباب الطبيعية فقط ، وكانت تظن أن المرأة يمكن أن يكون لها ولد عن طريقين لا ثالث لهما : إما الزواج أو التلوث بالرذيلة والانحراف ، وإني أعرف نفسي أكثر من أي شخص آخر ، فإني لم أختر